أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

446

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

لهم غذاء لا بقاء لهم إلا به ، ولا غنى لهم عنه ، ولو فقدوه لفارقت أرواحهم أشباحهم ، وفي ذلك قيل : بالقوت إحياء الجسوم وذكره * تحيا به الألباب والأرواح هو عيشهم ووجودهم وحياتهم * حقّا وروح نفوسهم والرّاح وقد قلت في قصيدة لي عينية : ولي لوعة بالراح إذ فيه راحتي * وروحي وريحاني وخير واسع سكرنا فهمنا في بهاء جماله * فغبنا عن الإحساس والنور ساطع تبدّت لنا شمس النهار وأشرقت * فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع والحاصل : أن نعيم الأرواح التي تشاهد محبوبها لا ينقطع عنها ، فنعيم العارفين لا ينقطع لأن قرب الحق لا ينقطع ، فمن بعدت نفسه أحس بالعذاب ولزمه الهموم والأحزان والنصب ، كما أبان ذلك بقوله : 224 - ما تجده القلوب من الهموم والأحزان فلأجل ما منعته من وجود العيان . قلت : إنما كان سبب الهموم هو فقد الشهود ، لأن الحق تعالى قريب على الدوام ، رقيب على الدوام ، فمن كان قريبا من الحبيب ، فكيف يحس بفراق شيء أو فواته ؟ نظر الحبيب يغيب عن كل بعيد وقريب ، وأيضا كل ما ينزل من عند الحبيب فهو حبيب ، فلا يلحقه شيء مكروه عنده حتى يهتم به ، ولا يفوته محبوب سوى محبوبه حتى يحزن عليه ، ففي محبوبه اجتمعت المحاسن كما قال القائل : تذلّل له تحظى برؤيا جماله * ففي وجه من تهوي الفرائض والنّفل وفي هذا المعنى أيضا قال صاحب العينية : تلذّ لي الآلام إذ كنت مسقمي * * وإن تختبرني فهو عندي صنائع وبالجملة : من كان نظره إلى محبوبه ومشاهدا لنوره وجماله لم يبق له هم ولا غم كما قال ابن الفارض في شهود الخمرة :